ابراهيم رفعت باشا
273
مرآة الحرمين
على ما كانت عليه ، ففعل ذلك الحجاج وبناؤه في الكعبة الجدر الشمالي والباب الغربى المسدود وما تحت عتبة الباب الشرقي وهو أربعة أذرع وشبر على ما ذكر الأزرقي ، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير ، وكان ذلك سنة 74 ه . ثم إن عبد الملك ابن مروان ندم على ما وقع منه في أمر الكعبة ، وقال : وددت واللّه أنى كنت تركت ابن الزبير وما تحمل حين أخبره الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي أنه سمع من عائشة رضى اللّه عنها حديثا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم اعتمده ابن الزبير فيما فعله بالكعبة ، وحديث عائشة رواه أبو داود الطيالسي ، قال : حدّثنا سليم بن حبان قال حدّثنا سعيد بن المثنى عن عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهما ، قال : أخبرتني عائشة رضى اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لها : لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لهدمت الكعبة وألزقتها بالأرض وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا ولزدت ستة أذرع من الحجر في البيت فان قريشا استقصرت ذلك لما بنت البيت . ولم يحصل في الكعبة تغيير بعد بناء ابن الزبير والحجاج إلى سنة 1039 ه . اللهم إلا في ميزايها وبابها وبعض أساطينها وما دعت الضرورة إلى عمارته في جدرها وسقفها وجدرها الذي يصعد منه إلى سطحها وعتبتها ورخامها . وكان سليمان بن عبد الملك يحب أن يردّ الكعبة إلى بناء ابن الزبير حين أخبره بذلك خليفته الإمام العادل عمر ابن عبد العزيز بن مروان لما سأله عن ذلك ، ولكن منعه من ذلك حبه أن لا يغير عملا عمل بمشورة أبيه ، ويروى أن الخليفة هارون الرشيد - وقيل : أبوه المهدى ، وقيل : جدّه المنصور - أراد أن يغير ما صنعه الحجاج ويردّ الكعبة إلى بناء بن الزبير فنهاه عن ذلك الامام مالك بن أنس وقال له : نشدّتك اللّه أن لا تجعل بيت اللّه ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم أن يغيره الا غيره فتذهب هيبته من قلوب الناس . وكأن مالكا رحمه اللّه لاحظ في ذلك قاعدته المشهورة : درء المفاسد أولى من جلب المصالح .